عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

16

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

ونادَيْناه أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 105 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( 106 ) * ( وَنادَيْناه أَنْ يا إِبْراهِيمُ ) * * ( قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ) * بالعزم والإتيان بالمقدمات . وقد روي أنه أمر السكين بقوته على حلقه مرارا فلم تقطع ، وجواب « لما » محذوف تقديره كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به المقال ، من استبشارهما وشكرهما للَّه تعالى على ما أنعم عليهما من دفع البلاء بعد حلوله والتوفيق بما لم يوفق غيرهما لمثله ، وإظهار فضلهما به على العالمين مع إحراز الثواب العظيم إلى غير ذلك . * ( إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) * تعليل لإفراج تلك الشدة عنهما بإحسانهما ، واحتج به من جوز النسخ قبل وقوعه فإنه عليه الصلاة والسلام كان مأمورا بالذبح لقوله * ( يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ) * ولم يحصل . * ( إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ) * الابتلاء البين الذي يتميز فيه المخلص من غيره ، أو المحنة البينة الصعوبة فإنه لا أصعب منها . وفَدَيْناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( 107 ) وتَرَكْنا عَلَيْه فِي الآخِرِينَ ( 108 ) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ( 109 ) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 110 ) * ( وَفَدَيْناه بِذِبْحٍ ) * بما يذبح بدله فيتم به الفعل . * ( عَظِيمٍ ) * عظيم الجثة سمين ، أو عظيم القدر لأنه يفدي به اللَّه نبيا ابن نبي وأي نبي من نسله سيد المرسلين . قيل كان كبشا من الجنة . وقيل وعلا أهبط عليه من ثبير . وروي أنه هرب منه عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فصارت سنة ، والفادي على الحقيقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وإنما قال وفديناه لأن اللَّه المعطي له والآمر به على التجوز في الفداء أو الإسناد ، واستدل به الحنفية على أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة وليس فيه ما يدل عليه . * ( وَتَرَكْنا عَلَيْه فِي الآخِرِينَ ) * * ( سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ) * سبق بيانه في قصة نوح عليه السلام . * ( كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) * لعله طرح عنه إنا اكتفاء بذكره مرة في هذه القصة . إِنَّه مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 111 ) وبَشَّرْناه بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 112 ) وبارَكْنا عَلَيْه وعَلى إِسْحاقَ ومِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِه مُبِينٌ ( 113 ) * ( إِنَّه مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) * * ( وبَشَّرْناه بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) * مقضيا نبوته مقدرا كونه من الصالحين وبهذا الاعتبار وقعا حالين ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة ، فإن وجود ذي الحال غير شرط بل الشرط مقارنة تعلق الفعل به لاعتبار المعنى بالحال ، فلا حاجة إلى تقدير مضاف يجعل عاملا فيهما مثلا و * ( بَشَّرْناه ) * بوجود إسحاق أي بأن يوجد إسحاق نبيا من الصالحين ، ومع ذلك لا يصير نظير قوله : * ( فَادْخُلُوها خالِدِينَ ) * فإن الداخلين مقدرون خلودهم وقت الدخول وإسحاق لم يكن مقدرا نبوة نفسه وصلاحها حينما يوجد ، ومن فسر الذبيح بإسحاق جعل المقصود من البشارة نبوته ، وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه وإيماء بأنه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل بالفعل على الإطلاق . * ( وَبارَكْنا عَلَيْه ) * على إبراهيم في أولاده . * ( وعَلى إِسْحاقَ ) * بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب ، أو أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا ، وقرئ « وبركنا » . * ( ومِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ ) * في عمله أو إلى نفسه بالإيمان والطاعة . * ( وظالِمٌ لِنَفْسِه ) * بالكفر والمعاصي . * ( مُبِينٌ ) * ظاهر ظلمه ، وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال وأن الظلم في أعقابهما لا يعود عليهما بنقيصة وعيب . ولَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وهارُونَ ( 114 ) ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ( 115 ) ونَصَرْناهُمْ